عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

72

قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين

الملاحظة يسوق أصحابه ، ويبدأ من لقيه بالسلام ، متواصل الأحزان ، دائم الفكر ، ليست له راحة ولا يتكلم في غير حاجة ، طويل السكوت ، يفتتح الكلام ويختتمه بإشراقه ، ويتكلّم بجوامع الكلم فضلا لا فضولا فيه ولا تقصير ، دمثا ليس بالجافي ولا بالمهيمن ، يعظّم النعمة ، ولا يذم شيئا لم يكن يذم ذواقا ولا يمدحه ، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق شيء حتى ينتصر له ، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها ، إذا أشار أشار بكفّه كلّها ، وإذا تعجّب قلبها ، وإذا تحدّث اتصل بها فضرب بإبهامه اليمنى راحة اليسرى ، وإذا غضب أعرض ، وإذا فرح غضّ طرفه ، جلّ ضحكه التبسّم ، ويفتر عن مثل حب الغمام » « 1 » . هذا حديث جامع في صفة حليته واعتدالها ، وكمال نشأته الظاهرة الكاملة التي أجمع الحكماء من أهل الفراسة أن كل حلية من هذه المذكورات دالة على معنى الكمال ، فهو أكمل خلق اللّه صورة وأعدلهم نشأة ؛ لأنه صلى اللّه عليه وسلم الموجود الأول الذي هو في غاية الاعتدال كمالا وجمالا وبهاء وسناء ؛ ولهذا كان كل من قارب هذه الخلقة الشريفة في الاعتدال أكمل من غيره بقدر ما أوجد اللّه فيه من هذه الصفات المعتدلة الكاملة الخلقة الدالة على شرف الذات صورة ومعنى . تنبيه إنما أوردت لك ذكر هذه الخلقة الشريفة ؛ لتصوّرها بين عينيك ، وتلحظها في كل ساعة حتى تصير ممثلة لك ؛ لتكون حينئذ في درجة المشاهدين له صلى اللّه عليه وسلم فتفوز بالسعادة الكبرى ، وتلحق بالصحابة رضوان اللّه عليهم . فإن لم تستطع ذلك على الدوام فلا أقل من أن تستحضر هذه الصورة الشريفة بما له من الكمال عند الصلاة عليه صلى اللّه عليه وسلم . القسم الثاني : أمّا أفعاله صلى اللّه عليه وسلم الذكية وأحواله الرضيّة ، فقد امتلأت الصحف بها ، وشهدت الأكوان بحسنها وكمالها ، وناهيك من رجل كل العالم في ميزانه ، فإنه الذي أسّس طرق الهداية ، وأخرج الخلق من الغواية ، وسنّ الحلال والحرام ، والصلاة والصيام وكل خير يوجد بين الأنام .

--> ( 1 ) رواه الطبراني في الكبير ( 22 / 156 ) ، وابن حبان في الثقات ( 2 / 146 ) ، والبيهقي في شعب الإيمان ( 2 / 155 ) .